اليكم هذه القصة.. مساحة الحريات المتاحة (وبضمنها حرية الاعلام والتعبير عن الرأي) في اقليم كوردستان هي من السعة بحيث تسمح للجميع ممارسة حرياتهم ضمن نطاق القانون والمصلحة العامة للاقليم وسكانه. والحرية من الوجهة النظرية ركن أساسي من أركان بناء مجتمع صحي يتمع أفراده بهامش كاف من ممارسة الذات والتعبير عن مختلف توجهاتهم وبالشكل الذي يلبي طموحهم وتطلعهم للعيش بكرامة ومن دون عنف أو أكراه أو تهديد بالعقاب. وفي مجتمع كالمجتمع الكوردستاني الذي هو الآن في طور النمو والانتعاش على مختلف الأصعدة، هناك احتمال واسع لتحول الحرية لدى البعض أحيانا من (ضرورة) الى (اشكالية). وفي هذه الحالة لابد من فتح باب النقاش والتداول حول مخاطر هذا التحول السلبي لأحد أهم عناصر (الديمقراطية) ومن ثم وضع ضوابط تعالج هذا الانزياح وتضعه على سكته السليمة.
نحن في الوقت الذي نتحدث فيه عن حالات تحول الحرية الى اشكالية، نؤمن بأن مساحة الحرية المتاحة لدى السلطات المؤمنة بالديمقراطية تعتبر أحد العوامل التي تسهم في رقي المجتمع وتطوره نحو الأحسن في كافة المجالات، فاننا مقتنعون أيضا بأن الديمقراطية (والحرية لبها) ليست فقط طروحات نظرية بحتة، بل ان مصداقية المفهوم مرهونة بمدى تطبيقه في الواقع. وهي أيضا تخضع لشروط ومؤهلات الواقع، هذه الشروط والمؤهلات التي تختلف من بلد الى آخر تبعا للتأريخ السياسي لكل بلد والتطور المنتظر منه في خضم التحولات التي يشهدها العالم برمته. والديمقراطية في الحقيقة ثقافة عريضة تجد ترجمتها لدى أفراد المجتمع وكذلك لدى المنظمات المدنية المختلفة، وتترسخ الحرية بموجبها لدى المجتمعات التي تمتلك أرثا من الحياة الديمقراطية وومارستها عمليا، فهي نتاج كم كبير من العمل المدعم بالتضحيات. فالديمقراطيات العريقة استطاعت أن تحول الحرية الملتزمة الى ركيزة حيوية من ثقافة الشعب وتقاليده. والحالة لدينا (في اقليم كوردستان) جديدة وتفتقر الارث والتأريخ، حيث يعيش الاقليم تجربة ديمقراطية فتية مازالت في طور النمو والانتعاش.
ارشادات أم ...؟
خلال وجودي في سيارة أجرة استمتعت لبرنامج اذاعي كانت تبثه أحدى محطات الراديو في أربيل. كان البرنامج مباشرا يتلقى المكالمات الهاتفية من المستمعين، وأغلبهم بل جميعهم كان من العنصر النسوي، يوجهن الاسئلة الى شخصين كانا يقدمان البرنامج بشكل ثنائي. الاسئلة كانت عموما تتمحور حول الشؤون الدينية والدنيوية المتعلقة بأحكام الدين. وبغض النظر عن طبيعة الاسئلة و(التفنن) في الاجابة عليها بما يخدم تطلعات ذات طابع ايديولوجي للجهة الممولة لمحطة الراديو، فأن مقدما البرنامج لم يكتفيا بذلك بل ذهبا الى أبعد من ذلك من خلال طرح قصة منسوجة من الخيال تم حياكة خيوطها وفق أطار أيديولوجي بحت.
بعد تلقي العديد من المكالمات، قال أحد مقدمي البرنامج للآخر: هلا قدمت لنا فاصلا من خلال قراءة قصة. بادره الآخر بالايجاب وهو يطرح مختصر القصة بالشكل التالي: كتب أحد الاخوة المؤمنون يقول بأن كان له جارا ينتمي الى أحد الأحزاب العلمانية. هذا الجار هداه الله أخذ يتردد على المسجد، الا انني كنت أحوم في بحر من الشكوك حول مغزى لجوء جاري الى المسجد وترددت كثيرا في مفاتحته بالأمر. وأخيرا وجدت الفرصة المناسبة لذلك، الا ان جاري أخذ يتهرب من الرد على سؤالي. وبعد أن أدرك اصراري، أعطاني موعدا في منزله متعهدا بكشف حقيقة اهتداءه الى جادة الهدى والصواب. وبعد أن تفنن الراوي (أحد مقدمي البرنامج) بسرد حيثيات ذهاب هذا الشخص للقاء جاره في الموعد المحدد، حيث أدخله الجار الى منزله وقال لزوجته سأغلق الباب ولا تسمحي لأحد الدخول الينا، لأنني سأطرح أمرا في غاية الأهمية مع جاري الزائر. وبعدها قال لجاره الزائر: رأيت ليلة في منامي حلما وكأنني في حالة غير اعتيادية، حيث يتوجه كل شخص وفق ارشادات يعطيها بعض القيمين على الأوضاع، أنا شخصيا تم وضع ختم على معصمي فتوجهت بموجبه الى أحد الأبواب التي كان يشرف عليها أشخاص، هذه الباب التي كانت تفوح منها رائحة طيبة لا مثيل لها في دنيانا، لكن أحد المتحكمين بالباب نظر الى الختم الموجود على معصمي وقد كتب في مكان أحدى الشهادتين أسم الحزب العلماني الذي كنت أنتمي اليه، فقال لي البواب لايحق لك الدخول من هذه الباب، بل ان مكانك ذلك الباب الآخر. وكان هذا الباب الآخر يفضي الى أجواء مهولة تنبعث منها رائحة كريهة تزكم الانوف، فأخذت أصرخ بأعلى صوتي بأنني لا أود الدخول من هذه الباب، ارحموني واسمحوا لي الدخول من الباب الاول، لكن دون جدوى، فقد سعى البعض من المشرفين على الأوضاع في هذا المكان الى اجباري عنوة الى الذهاب الى حيث الباب البائسة التي تؤدي الى وضع صعب. وأخيرا فقد استيقضت من شدة صراخي وحمدت رب العباد على نعمته التي انعمها علي وأنقذني من الحلم الكابوس. ومنذ ذلك الوقت قررت ترك صفوف هذا الحزب العلماني واختيار طريق الهدى والصواب.
لاشك ان كل لبيب يدرك الهدف السياسي من وراء هذه القصة المفبركة، هذه القصة التي يحاول البعض من خلالها الضحك على الذقون عبر القنوات الاعلامية مستغلين صدق النيات الشعبية لدى شعب كوردستان حيال الدين الحنيف وتعاليمه وطقوسه، وهي أيضا تدل على سذاجة وضحالة القيمون على اعلام بائس كهذا يستغل حرية ابداء الرأي والتعبير المتاحة في اقليم كوردستان وفقا للقوانين السارية المفعول فيه، مع هذا فان الايغال في سوء استخدام الحرية وفتح باب ذر الرماد في عيون المواطنين والتستر بغطاء الدين لتحقيق أهداف وغايات دينية، يعتبر تطاول على جوهر الدين الحنيف ذاته من جهة وهو ايضا تجاوز لاطر الحرية والديمقراطية في المجتمع، والذهاب نحو آفاق ممارسة الخداع بشكل لا يليق بمجتمعنا. ولعل لا منطقية القصة التي قدمها أحد مقدمي البرنامج دفع بزميله الى التعليق والقول، بأن هذه القصة حتى وان لم تكن واقعية فهي تحمل الكثير من المعاني والمغازي السامية التي تجعلنا نهتدي الى جادة الصواب ونبتعد عن الموبقات والاعمال التي لا يرضى بها الله.
سياسية مماثلة في العهد البائد
سلطات البعث كانت تمارس مناورات كهذه أيضا من خلال بعض رجال الدين المتماشين مع سياساتها. أتذكر ايام الحروب والحصار التي تلت غزو الكويت وكيف انها ضيّقت أنفاس العراقيين جميعا خصوصا على المواطنين من ذوي الدخل المحدود. وقد حاول نظام صدام استغلال الدين لتمرير بعض من أهدافه السياسية، حيث سرد لي في حينه أحد المعارف من الذين كان يسكن مدينة كوردستانية كانت حتى سقوط نظام صدام (عام 2003) خاضعة لسطات هذا النظام، اقول سرد لي القصة التالية التي سمعها من خطيب جامع الحي الذي يسكن. ملخص القصة تقول بأن أسرة فقيرة معدمة كانت تسكن منزلا بسيطا مبني من اللبن بجوار اسرة اخرى ميسورة الحال رب هذه الاسرة كان تاجرا. وفي أحد الأيام اقام التاجر مأدبة لعدد من معارفه وأصدقاءه وقال لزوجته خذي شيئا من الطعام الى جارنا المعدم. فقالت بعد مدة بأن جارهم لا يقبل استلام طعامهم، مما دفع التاجر أن يبادر الى الذهاب بنفسه ومعه الطعام الى جاره، الا ان الجار المعدم أصر بعدم قبول طعام جارهم التاجر. وبعد الحاح متبادل من الطرفين، قال رب الاسرة المعدمة أتوني بقطعة قماشة نظيفة غطى بها الطعام وقرأ بعض الادعية عليه، وعندما رفع القماشة تحول الطعام الى مجاميع من الديدان، وقال لجاره التاجر: هذا المال حرام لا استطيع تناوله أو اطعامه لاسرتي.
المغزى السياسي لهذه السردية المفبكرة من قبل نظام صدام واضح، فبعد أن ضاقت أفق الحياة وسبلها بالمواطنين العراقيين بسبب الاخطاء السياسية والعسكرية الفادحة التي ارتكبها النظام اذ قادت العراقيين الى أوضاع حياتية مزرية، حاول النظام التسلل الى ذهنية المواطنين ومخاطبة مشاعرهم، خصوصا العامة من الناس من خلال الدين الحنيف. نفس الخطأ الفادح نفسه يحاول اليومالبعض في اقليم كوردستان ارتكابه مستغلين الدين الحنيف للوصول الى غايات وأهداف سياسية. نحن على قناعة تامة بأن المواطنين في عصر المعلوماتية هم أكثر فطنة ودراية من ان تنطلي عليهم هكذا سرديات مضحكة مفبركة و مثل هذه تسيء للدين والدنيا في آن واحد،وحتى أن جنى مفبركوها من وراءها بعض النجاح، غير أنه نجاح عابر سرعان ما تتكلف نواياه المزيفة!



