ليس هناك شيء أكثر طبيعية من أن تأتي الأطراف المتحاربة بعد ما يقارب الثلاثون عاماً من سفك الدماء والدمار إلى مائدة الحوار. وبهذا يكون الطرف الكوردي قد وصل إلى إنجازٍ لا يستهان به، ألا وهو أن ثورته في النهاية فتحت الطريق أمام الدور السياسي ليكون فعالاً.
الحكومات المتعاقبة في تركيا سلكت وعلى مر العقود سياسة الإنكار واستخدمت الحرب كوسيلة لتنفيذها. في نهاية المطاف جاءت حكومة ا ك ب لتُدرك أن هذه الطاولة الصغيرة أفصح من السيف، وأفضل من عِلم الكمائن وغبار ميادين المعارك. شئ جميل ولا شائب فيه. أما بعد؟ هل هناك من ساذج يفكر بأن الحرب التي ستُخاض على هذه الطاولة أهون من تلك التي تُخاض على قمم الجبال؟ المسألة شائكة إلى حد كبير بحيث نحتاج إلى دهاءٍ عظيم لفك خيوطها.
هناك أخطاء لا بد من الإشارة إاليها في هذا الشأن:
اولاً- هل تم ترتيب هذه الطاولة لنتحدث فقط عن عملية نزع السلاح؟ أم لإيجاد حلٍ شامل للنزاع؟ إن كانت المسألة تتعلق بنزع السلاح فقط، فهذا شأن حاملي السلاح، أي شأن ب ك ك والدولة التركية. أما إذا كانت المسألة تتعلق بحقوق الشعب الكوردي ومستقبله، فهذا شأن آخر. أي هنا، لابد أن يرى الشعب الكوردي بأكمله تمثيلاً له على أطراف طاولة الحوار. لقد كان هذا الخطأ الأول الذي أرتُكِب في إمتحان السياسة.
ثانياً- كان الأجدر بالطرف الكوردي أن يُجهز مشروعاً متكاملاً يحتوي على حقوق شعبه المهدورة على مرِّ القرون. فهل كان هذا هو الحال لو كان المحاور الكوردي يستند الى مشروعٍ جدي ومدروس ومتكامل؟ بكل تأكيد لا. فجعبة الطرف الكوردي كانت فارغة إلى أبعد الحدود، ولم تكن فيها سوى بضع كلماتٍ عن حرية أوجلان، وكيفية سحب قوات ب ك ك من شمال كردستان. إن كان هناك، في الحقيقة، شئ آخر تم تداوله، وهذا مالا نعرفه ولم نحصل على تلك الفرصة لمعرفته أيضاً.
إذاً العملية كانت مغطاة بطبقةٍ من الجليد تحجب رؤية محتواها. أي إنها لم تكن شفافة ولم تكن جريئة لتحيط شعبنا عِلماً بما كان يجري. فغياب الشفافية كانت الخطوة الثانية في الإتجاه الخاطئ.
ثالثاً- الأطراف المتحاربة سابقاً والمتحاورة لاحقاً بدأت تتهم بعضها الآخر على خلفية فشل الحوار ووصوله إلى طريق مسدود. السيد دمرطاش يقول بأن الدولة وعدت السيد أوجلان في جزيرة إمرالي بوعودٍ كبيرة ولم تفي بها، والحكومة تقول بأن الطرف الآخر هو الذي أخل بجوهر المسار الجديد وحاول بطرقٍ مختلفة استثمار العملية لأغراضٍ حزبية ضيقة.
إن صفحات الجرائد وشاشات التلفزة تعج هذه الأيام بالاتهمامات المتبادلة بين الطرفين. أيهم على الصواب وأيهم على الخطأ يا تُرى؟ هذا ما لا يهمنا البتّة. ما يهمنا هو أن كلاهما كانا على خطأ عندما لم يقوما بتعيين طرف ثالث محايد للإشراف على العملية
أود هنا أن أعرج على مثال معروف لدينا جميعا ألا وهو مثال السلفادور. عندما دخلت أطراف النزاع هناك في عملية الحوار السلمي عيّنت فيما بينها منظمة الصليب الأحمر الدولي لتكون حكماً يشرف على جميع الخطوات المتّبعة. إنها لم تترك مجالاً للأطراف المتحاورة أن تدخل في نقاشات عقيمة واستطاعت في النهاية إيصال الحوار إلى حل نهائي يرضي الطرفين.
هنا نستنتج بأن مسيرة الحوار في تركيا لم تكن ترتكز على أرضيةٍ صلبة منذ البداية ولم تكن الأطراف المتحاورة جدية في حوارها، فكل طرفٍ كان يحاول بشتى الوسائل الإستفادة من عامل الوقت ليصل إلى أهدافٍ خاصة به. أراد الطرف الكوردي المسلح في هذه الفترة الزمنية أن يعزز من مكانته في المدن لينشئ نظاماً شبيهاً بنظام الكانتونات في كردستان الغربية وذلك عن طريق تأسيس مجموعات من الأسايش لتقوم بوظيفة تفتيش المارة في المدن الكوردية، وإنشاء محاكمٍ بديلة عن محاكم الدولة، وفرض نظام الضرائب. باختصار وضع هذا الطرف نصب عينيه نظام الإدارة الذاتية. هذا فيما يخص الطرف الكوردي. بينما جميع محاولات الطرف التركي كانت ترمي إلى تمديد عملية وقف إطلاق النار وتجريد قوى الكريلا من السلاح ولم يقم ببلورة مشروع مفصل لحل القضية الكوردية.
وفي النهاية أصبح الجميع يدرك بأن المناقشات التي دارت بين الأطراف في الفترة الماضية لا علاقة لها بالسياسة، وماهي إلا عبارة عن ديماغوجية وخليط من الكلمات التي تفتقر إلى أي مضمون ذو قيمة وطنية. وأصبحنا نرى بأن المناورات التي قامت بها الطرفان وراء الستار وهي تخوض عملية الحوار، ماهي إلا دليل ساطع على عدم جديتهم.
على كِلا الطرفين استخلاص الدروس ومعرفة الحقيقة التالية: لا بديل للطاولة ولا صوت يعلو فوق صوت الحوار الجدي، فلا تدعوا عملية السلام تتحول إلى مستنقع السلام.



