4:58:50 PM
قراءاتنا للقضايا والواقع محكوم بثقافاتنا وأخلاقياتنا العامة في المجتمع؛ وهناك في ثقافتنا الشرقية والإسلامية عموماً ما يدعو إلى الالتزام بالجماعة وعدم الخروج على النمطية السائدة في الشارع أخلاقياً وسياسياً وحتى فكرياً _وللأسف_ حيث الدين والعرف الاجتماعي يلزمك بالسلوكيات العامة وكم من آية وحديث ومثل يدعوك للالتزام بتلك الأخلاقيات من أمثلة؛ "يد الله مع الجماعة" و"يد الله فوق أيديهم" و"اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" وحتى في الأمثال الشعبية هناك الدعوة لعدم الخروج على تلك المبادئ والسلوكيات الأخلاقية في المجتمع حيث المثل الكوردي يقول: "Eger tu çû gundekî û te dît tev bi çavekî ne, tu jî çavekî xwe damrîne" أي وبما معناه؛ (إن ذهبت إلى قرية ما ورأيت ناسها وأهلها بعين واحدة، فأنت أيضاً أغمض عيناً وكن مثلهم)، يعني عليك أن تقلد الآخرين وتكون نسخة منهم حتى بأخطائهم وهفواتهم وتخلفهم وهذا يذكرنا بسرير بروكروست؛ قاطع الطريق اليوناني .. بل إن كل جديد (محدثة) وهي بدعة في عرفنا وثقافتنا الشرقية الاسلامية والحديث المحمدي في ذلك حيث يقول: "كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة".
وهكذا يمكن أن نقول بأن الثقافة الشرقية الاسلامية هي أرضية خصبة لوأد وقتل الابداع والتجديد في تفجير الطاقات الخلاقة والإبداعية لدى الفرد حيث الدعوة إلى التكرار والنسخ؛ إنها بحق تمثل (ثقافة النقل وليس العقل). وبالتالي فإن الجذر الثقافي في مجتمعاتنا ترفض العقل البشري كآلية تفكيرية إبداعية وتحول تلك القدرات الذهنية والمعرفية إلى نوع من خزان فكري وأرشيف لتدوين وحفظ المعلومة عبر التلقين للنص الأول، وكم نجد من المنابر الإعلامية تفتخر بأن طفل وعمره لم يتجاوز أصابع اليدين وهو يحفظ المصحف من الجلد للجلد، ولكن دون أن نلتقي بطفل أبدع في مجال ونشاط مدرسي ما وذلك على عكس الثقافة الأوروبية التي تجعل من النشاط المدرسي آلية ومجال لمعرفة القدرات الإبداعية لدى الطالب وتدفعه للخلق والإبداع في مجال إنساني هو منجذب إليه برغبة ذاتية إرادية. وإن هذه الثقافة التلقينية هي الأخرى جزء من الثقافة العامة _أو الجذر الثقافي_ لنا في الشرق الإسلامي حيث النص الأول (القرآن) يقول: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي". وإكمال الدين هنا يأتي بمعنى "إكمال البيان المعرفي والأخلاقي"، أي نقطة على السطر وأنتهى؛ حيث "لا اجتهاد مع النص" والنص هو القرآن ولذلك تجد هؤلاء المأخوذين بالنص القرآني يحاولون ويجتهدون أن يحولوا كل الاختراعات الإنسانية إلى ذاك النص وبأن أولئك المخترعون قد أخذوه من الإسلام ونصهم القرآني وذلك بعد الدرس والتأويل.
ولكن ينسى أولئك "المتأولون والمخدوعين" بأن المسلمين ومنذ ألف وأربعمائة عام ونيف وهم يقرؤون في النصوص القرآنية ومن دون أن يصلوا إلى اختراع حقيقي واحد تخدم البشرية بعكس الأوروبيين الذين ربما البعض من أولئك المخترعين لم يقرأ في حياته آية قرآنية، بل هنا سؤال يتبادر للذهن: إن كان حقاً القرآن يضم كل المعرفة والعرفان والعقل الكوني الكلي _بما إنه كلام الرب، حسب إدعاء المؤمنين_ فلما لم يكن بمقدور المسلمين أن يخترعوا ولو عربة بدواليب مدورة بدل مضلعة ولا نقول كان عليهم أن يكونوا الرواد في الاختراعات والإبداعات الإنسانية، مع العلم إنه من المفترض أن يكونوا كذلك _بما إنهم أصحاب النص القرآني والإدعاء بأن كل الاختراعات هي من ذاك النص_ وإلا فإن العقل الإسلامي هي من أسوأ العقول وأكثرها سلبيةً وخمولاً وجموداً، بل يمكننا القول _مع الحالة هذه_ بأن المسلمين لا عقل لهم وهي حقيقة وجودية إلى حد ما؛ حيث ثقافة التلقين والنقل قد قتل لدى المسلم كل الملكات العقلية المبدعة والخلاقة لاكتفائه بالنسخ والتدوين لما هو نمطي وسائد وبالتالي قتل ووأد كل ما هو إبداعي _وأحياناً المبدع نفسه، وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي_ وذلك بحجة الاختلاف والبدعة؛ فكل "بدعة زندقة" وينسى هؤلاء الظلاميين بأن كل تجديد هو مخالفٌ للعرف والشريعة السائدة وبأن الأسماك الميتة هي _فقط_ التي تجري مع التيار وبأن عقارب الساعة تسير بعكس الزمن مع أنها هي المقياس للزمن والتاريخ.



