طارق كاريزي: مصر لا تقبلك كورديا

طارق كاريزي: مصر لا تقبلك كورديا

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لطالب كوردي (من اقليم كوردستان العراق) تناقش أطروحته في جامعة مصرية، حيث ينهال الاستاذ رئيس لجنة المناقشة على الطالب بسيل من الاسئلة عن علم كوردستان الذي رفعه اعتزازا بانتمائه القومي والوطني. بعد نقاش غير متكافئ بين الجانبين، يبدو ان الامور انتهت الى ازاحة العلم من خلف طالب الماجستير.

من باب التذكير نقول، للكورد انطباعات جيدة عن مصر ارضا وشعبا. وهناك تاريخ مشترك بين مصر وكوردستان يمتد الى عهد الفراعنة والأميرة الكوردستانية (الاورارتية) نفرتيتي، التي أصبحت سيدة عرش الفراعنة. ومصر احتضنت أيضا ميلاد الصحافة الكوردية (كوردستان أول صحيفة كوردية صدرت عام 1898 في القاهرة). وساهم الكثير من قادة الفكر من ذوي الاصول الكوردية (أحمد أمين، عبدالرحمن الكواكبي، محمد عبده، أحمد شوقي، التيموريون وآخرون) في نهضة مصر والنهضة العربية. وترك الايوبيون ومحمد علي باشا الكبير الكثير من الصفحات المشرقة في تاريخ وادي النيل وأم الدنيا. لكن يبدو ان أم الدنيا اليوم لا يتسع صدرها لاحتضان حقيقة الكورد وكوردستان.

مع ان التعميم في طرح الحقائق قد يبعدنا نوعا ما عن الموضوعية، لكن الذي حدث في الحرم الاكاديمي لجامعة مصرية، يعد مؤشرا بالغ القوة لعدم تفهم قطاعات واسعة من الشعب المصري لحقيقة الشعب الكوردي وموطنه كوردستان. الطالب الكوردي (كاروان صديق) أراد أن يوجه رسالة سياسية مفادها باختصار شديد (أنا كوردي ووطني كوردستان). رئيس لجنة المناقشة أجابه متجاوزا لصلب مهمته الأكاديمية، بأنه لا يحق لك أن تكون كورديا، بل إن شئت أم أبيت، فأنت عراقي، والعراق بلد عربي لا نقبل بتقسيمه. ثم استعرض رئيس اللجنة الكثير من البطولات القومية من خلال منعهم تقسيم اليمن وتقسيم السودان كان بالضد من مشيئتهم القومية.

لا أحد يتطلع إالى تقسيم البلدان العربية، لأنه بصريح العبارة ان اتحاد البلدان العربية مع بعضها أو انقسامها الى كيانات جديدة، هو شأن عربي صرف، والقرار متروك للارادة العربية. وبموازاة ذلك فان من حق الكورد (وأي أمة أخرى) أن تقرر مصيرها بنفسها وتحدد هويتها الوطنية والقومية وفق مشيئتها، ولا يحق للاستاذ رئيس لجنة المناقشة ولا لأي (غير كوردي) أن يقرر مصير الشعب الكوردي. ولعل الاكاديمي المذكور ربما يجهل حقيقة كون الكورد أمة مستقلة بذاتها. وموطنهم كوردستان ليس جزءا من أرض أي أمة اخرى، بل هو موطن الكورد وباقي الاثنيات الكوردستانية.

على هامش الحادثة

كتب موقع الكتروني كوردي يروي ما حصل. تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لأكاديمي مصري في كلية الآداب بجامعة المنصورة، يطلب من الطالب الكوردي، كاروان صديق، أن يرفع علم العراق كونه علم الدولة التي يحمل جنسيتها بدلاً عن علم اقليم كوردستان قائلا له: "لن نقبل بتقسيم العراق". لكن الطالب الكوردي قال لشبكة رووداو الإعلامية "لن ارفع العلم العراقي حتى إذا قمت بتقديم رسالة الماجستير لعشر مرات أخرى". وأضاف صديق، "ليس لدي اي إستعداد لرفع العلم العراقي فوق رأسي، فقد طلب مني ان ارفع العلم العراقي بدلا عن علم اقليم كوردستان الذي قد رفعته اثناء مناقشتي لرسالة الماجستير، والتي كانت عن كيفية تعامل الإعلام الإلكتروني الكوردي مع قضايا الإرهاب. فقد قام أحد الحاضرين بإنزال علم اقليم كوردستان بعد طلب الاستاذ، إلا انني لم اقبل ان يزيحوا علم كوردستان الذي كان موجودا امامي على الطاولة".

وتابع صديق، "إنني لأعجب من تصرف هذا الاستاذ، الذي قام بنشر هذا المقطع من الفيديو بعد مرور سنة على هذه الواقعة، فقد فعل ذلك لكي يتفاخر بنفسه أمام العرب الشوفينيين، وأتوجه من خلالكم بالشكر للسيدة شيرين فؤاد معصوم لموقفها النبيل ودفاعها عني". وقد نشرت النائب عن كتلة ارادة (حنان الفتلاوي) المقطع على صفحتها في موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي، وعلقت عليه بالقول "استاذ مصري شريف يوجه صفعة قوية لطالب كوردي شوفيني عنصري"، مضيفة "المهم النتيجة أنزل العلم وهو ممنون." وردت عليها ابنة رئيس الجمهورية، شيرين فؤاد معصوم، قائلة "د. حنان، لقد رأيت ما نشرته بالصدفة، أنا لا ارى بأن الطالب الكوردي شوفيني بل إنسان فخور بعلمه وبقوميته، احيانا الأعلام تمثل قومية وليس بالضرورة بلدا، اسكوتلندا وويلز كمثال لديهما علماها، ولكن هذا لا يعني بأنهما ليستا جزءا من المملكة المتحدة".

واعتبرت ابنة رئيس الجمهورية في تعليقها الذي نشر على موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي أن "الاستاذ المناقش هو الشوفيني، والشوفيني الاكبر هو من يستمتع بإهانة انسان لا ينتمي إلى عرقه". وفي المقابل، ردت الفتلاوي عليها بالقول "مؤسف أن تكتب هذا الكلام ابنة فؤاد معصوم رئيس جمهورية العراق وليس كوردستان.. وإذا اردت أن اطبق كلامك الغريب؛ فهل يستحق أن يجلس على كرسي رئاسة العراق العربي شخص كوردي؟" ونعتت الفتلاوي الكورد بصفات غير لائقة. ويعرف عن حنان الفتلاوي النائبة عن حركة الارادة، تهجمها المتواصل على الكورد منذ كانت تنتمي لائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه نوري المالكي.

الكورد خارج القوقعة

يبدو ان الوسط الثقافي والاكاديمي العربي مازال عاجزا عن فهم حقيقة الوجود الكوردي. فالبلدان التي تم رسم حدودها من قبل القوى العظمى المنتصرة بعد سقوط الدولة العثمانية، لم تكن تأخذ مشيئة السكان، بنظر الاعتبار وقد تم تقسيم الجغرافية والديمغرافيا الكوردية بين أربع دول شرق أوسطية انبثقت بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى. هناك الكثير من الاثنيات العرقية الكبيرة قد تم غض الطرف عن حقها في تأسيس كياناتها، وبضمنهم الكورد والامازيغ وشعوب أخرى باتت بالرغم من اراداتها ضمن حدود الدول الجديدة. وطوال حوالي قرن من الزمن، عجزت هذه الدول عن بناء دولة المواطنة، وأنظمة الحكم في هذه الدول سعت من خلال العنف المفرط الى صهر القوميات والاثنيات غير صاحبة السيادة والسلطة في البلد. وليراجع الاستاذ رئيس لجنة المناقشة التاريخ الدموي للانظمة التي تعاقبت على حكم العراق، وكيف تفننت في اضطهاد الكورد. حملات الانفال واستخدام الاسلحة الكيمياوية في ضرب الكورد العراقيين وهدم آلاف القرى الكوردستانية وعشرات المدن والبلدات في كوردستان، كل ذلك يقدم الدليل القاطع على أن الكوردي لا مكان له في دولة ذات هوية غير كوردية. ان الذي ننتظره من النخب الاكاديمية العربية ومن بينها المصرية، هو أن تتفهم حق الكورد في الوجود وحق كوردستان في أن تكون كيانا مستقلا اسوة بالبلدان والممالك الاخرى. فالعراق الموحد أثبت فشله عشرات المرات طوال القرن الماضي ومازال يثبت ذلك منذ مطلعة الالفية الثالثة للميلاد. مثلما للعرب وسائر الامم الحق في السيادة والاستقلال، فللكورد ايضا الحق في السيادة والاستقلال. تحقق هذا الحق آت في الافق القريب. عندها من واجب الشعبين العربي والكوردي بأن يفكرا بأن يكونا جارين صالحين مع بعضهما. العنصرية والبغضاء والغاء الآخر، لا مكان لها في عالمنا المعاصر.

Rojava News 

Mobile  Application