8:22:58 PM
RojavaNews: بكري نعسان قادر رجلٌ مسن في العقد السابع من عمره، يعيش مع عائلته في حي (كەسنەزان) شرقي مدينة هولير، بعد شرائه قطعة من الأرض، وبنى فيها مسكناً بمساعدة أولاده لإيواء عائلته الكبيرة كما كان يعيش في كوباني ومن بعدها في مدينة قامشلو.
سرد بكري نعسان قصتة عائلته لـRojavaNews وقد استعاد إلى ذاكرته أياماً خَلَتْ: فبعد تقدمه نحونا ببطء، بدت علىه علامات التعب مما عاناه على أيدي حزب العمال الكوردستاني الـ(PKK). سلّم علينا ثم تنهّد طويلاً بألم شديد. استعاد العمّ بكري ذكريات الماضي، وقد فقدَ أخاه (عبدي نعسان قادر)، وقال: بعد ما فقدت أخي, لم أعد أرغب بالعيش في كوباني, فكرت بالرحيل, واتجهت إلى قامشلو واستقررت فيها، وبعد سنة من إقامتي في منزل بالأجرة اشتريت قطعة أرض وبنيت منزلاً بسيطاً يأوي عائلتي. وأكمل قائلاً: عشت في قامشلو حتى بداية الثورة السورية عام 2011، وفي عام 2012 غادرتها متجهاً إلى كوردستان بسبب مضايقات مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي الـPYD جناح PKK في سوريا بعد بسط سيطرته على كوردستان سوريا.

قال بكري نعسان: "سمعت بأنهم قدِموا إلى قريتنا في كوباني وأخبروا أقاربي هناك بأن زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان أقام في هذا المنزل، ولهذا قرروا أن يجعلوه مزاراً، وطالبوا بشرائه من صاحبه. وكان في ذاك المنزل غرفة تخصني أنا وأخي عبدي، حيث شاركنا فيها السيد عبد الله أوجلان أثناء قدومه من تركيا وإقامته عندنا. وبهذا الصدد أخبرتهم بأني أرفض بيع منزلي، ولا أقبل بمصادرته والاستيلاء عليه، خاصة أنه المنزل الذي استضفت فيه زعيمهم خير استضافة. خاصة بعد أن أدركت أنهم سيسلبون المنزل مني عنوةً وبأي طريقة كانت، لكني رفضت عروضهم بأنهم لو دفعوا مقابل استلام البيت ذهباً بمقدار وزن حجارته التي جلبتها من حلب، فإني سأركل الذهب وأختار بيتي. فإن كان برغبتي فإني لن أتخلى عن بيتي، أما إنْ كان الأمر قسراً وبالإكراه فهذا ما لا حول لي فيه ولا قوة. لكنهم بينوا لي أنهم لن يأخذوا البيت إلا برضائي، لكن فيما بعد استولوا على البيت وصادروه.
تحدث بكر نعسان لـRojavaNews, عن المرحلة الثانية من الأحداث التي جرت معه في قامشلو، فقد قال: "في بداية الأمر, تسببوا بمضايقتي، ولاحقوا ولدي في المدرسة، حتى أنني كنت معه ذات مرة في حي الصناعة بقامشلو، فلاحظنا أن دراجة نارية، عليها شخصان، تتبعنا وأدركنا أنها تلاحقنا، خاصة أنها الشخصين بدأا بتوجيه الشتائم البذيئة إلينا بهدف استفزازنا. لكننا لم نتورط معهم فأسرعنا وضللناهم عن الطريق إلى أن انتهينا من ذلك الموقف.
في قامشلو بقي العم بكري قلقاً على ولده، خوفاً من أن يخطفوه منه، لذلك قرر الرحيل من جديد، فاختار إقليم كوردستان. ووضع الأثاث المنزلي والأغراض كلها في غرفة واحدة أقفل بابها ثم توجه إلى الإقليم.
لم يمض على وصولي إلى إقليم كوردستان وقتٌ طويل حتى جاءتني أخبار بأنهم يحومون حول بيتي وقد وضعوه نصب أعينهم للاستيلاء عليه واحتلاله، بحجة أنه يلزمهم. وبالفعل صادروا بيتي الواسع المحاط بالشجر، وحولوه إلى (دار المرأة/Mala Jinê) إضافة إلى تحويل قسم منه إلى مدرسة.
حالياً أعيش في منزلي الجديد، بعد أن صادروا منزلي الأول في قرية (عل بلور) بكوباني ومنزلي الثاني بقامشلو. أما محطتي الثالثة في في إقليم كوردستان، حيث أسكن في بيتي الذي بنيته وتقيم فيه أسرتي.
أنهى العم بكري نعسان سرد قصته المؤلمة، وبدأ بتقليب صفحات ماضٍ مليء بالذكريات المؤلمة والحزينة. ففي بداية السبعينيات و عند بداية إعلان سيطرة العسكر على تركيا، كان حزب العمال الكوردستاني الـ PKK قد أعلن عن كفاح المسلح في كوردستان تركيا، وبعد زيادة الضغط عليهم هناك توجهوا نحو سوريا وتواصلوا مع أخي الصيدلاني عبدي نعسان قادر و اجتمع الشهيد عبدي كممثل لحزب الشيغلة وقتذاك مع عبد الله أوجلان رئيس حزب الـ PKK واتفقا على مساعدتهم وحمايتهم في كوردستان سوريا في محنتهم, كون الحزبين ذوي اتجاه يساري وعلى نهج واحد, وأخبرنا بأنه في كل مرة سوف يبعث إلينا عشرة أو عشرين أو ثلاثين شخصاً وعلينا أن نقم لهم الخدمات حتى تتجهز هوياتهم من قبل الجبهة الفلسطينية، إلى أن تجهز لهم بطاقات شخصية بصورهم وأسمائهم من قبل الجبهة الفلسطينية. وجماعة نايف حواتمة. وافق العم بكري على ذلك وأضاف: "وسيبقون مخفيين حتى يتم تجهيز بطاقاتهم الشخصية ووسنقوم بكل الخدمات اللازمة في المأكل والمشرب والطعام واللباس وغير ذلك."
أكمل بكري قائلاً: "بعد فترة جاء (عبد الله أوجلان) إلينا وكان منزلنا يتألف من أربعة غرف وغرفة مشتركة لي و لشقيقي عبدي وشاركنا فيها أوجلان وكان برفقة كل من كمال بير وجعفر وأقام عندنا مدة 29 يوماً. ولم أكن أعرف أنه عبد الله أوجلان لأن أخي عبدي كان منبهاً علي بألا أتدخل في شؤونهم وألا أستفسر أو اسأل عن أي شيء, (من هم؟ لماذا هم هنا؟ وماذا يفعلون عندنا؟ وما هي مهمتهم؟) لكن هذا قرار الحزب بحسب ما كنت أعتقد، لذلك لم أستطع إلا أن أنفذ تعليمات الحزب وأوامره وأوامر أخي عبدي.
حتى قبل أن يذهب أوجلان بيوم واحد قال لي أخي هل تعرف من هذا؟ قلت له: لا أعرفه؟ قال لي: هذا هو (آپو أوجلان) فرحبت به وكان يرتدي كلابية بيضاء ويجلس معنا. بعدها ودعنا ورحل، وبقي جعفر وكمال بير عندنا لمدة طويلة، يغيبون بضعة أيام ثم يعودون مجدداً وبهذه الحالة بقي جعفر عندنا تسعة أشهر بينما كمال فقد بقي ستة أشهر وبالنسبة إلي لم يكن بالإمكان أن أسألهم أين ولماذا تذهبون وتعودون؟ لأن الحزب نبهني بألّا أستفسر عن شيء. فقط الفقيد (عبدي) يعمل وكل شي بين يديه وهو يمثل حزبنا.
داومنا بهذا الشكل سنة ونصف السنة تقريباً.. وفي كل مرة يأتي عشرة أو عشرون وقوافل من رفاقهم يأكلون و يشربون عندنا حتى يتم تجهيزهم ومن ثم يذهبون إلى فلسطين وبعدها تأتي جموع أخرى غيرها. أحياناً كنا نرسلهم إلى رفاقنا لكثرة عددهم وضيق المكان، حتى أرسلنا منهم إلى قرى مجاورة عند رفاق حزبيين مع سرية تامة. وبخصوص عودة حزب العمال الكوردستاني إلى الكفاح المسلح، طالب عبدي نعسان زعيم PKKê عبد الله أوجلان بالوفاء بوعده في العودة إلى الكفاح المسلح، لكن أوجلان غضب من طرحه هذا الموضوع وقال له: "لا أقبل أن يتدخل أحد في شأننا ومن يقف في وجهننا ويتدخل في سياساتنا فسوف نواجهه بالسلاح". وبحسب أقوال بكري نعسان، كان قد جرى اتفاق بين عبدي نعسان وأوجلان لهذا الخصوص، عام 1983، فذكّره عبدي نعسان قائلاً لأوجلان: كيف اتفقنا وعلى ماذا اتفقنا أيها المجرم؟ لقد قمت ببيع الأجزاء الأربعة من كوردستان للأعداء واليوم تعود وتقول من يتدخل في عملي وسياستي فسوف نواجهه بالسلاح! ورمى عبدي نعسان أوراق الاتفاقية وكل ما كان بين يديه في وجه أوجلان بعد أن أعاد له بنود ونصوص الاتفاقية التي كانت بينهم وقال له: أنت إنسان مجرم لقد قمت ببيع أربعة الأجزاء من كوردستان. ومن رفاق أوجلان الحاضرين في الاجتماع أشاروا بطريقة سرية إلى عبدي نعسان بأنه يجب عليه إنقاذ نفسه لأن المخابرات السورية على علم بالاجتماع ومكانه وزمانه ولذلك يجب عليه إنقاذ نفسه لأنه من المحتمل أن تقتحم المخابرات السورية المكان وتعتقل عبدي نعسان، فخرج عبدي سريعاً. أما أنا (بكري نعسان قادر) فقد كنت في انتظار عبدي أترقب قدومه، لكنه تأخر كثيراً! كل ما كان علي الانتظار والسهر ومراقبة طريق عودته. لم أكن أعلم شيئاً عنه. تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل! فجأة سمعت صياحاً وضجيجاً. نهضت وفتحت الباب وذهبت مسرعاً إلى غرفته. رأيت (محمود الأسود) مراسل PKKê، كانوا يأتون إلينا عن طريقه ويخرجون من عندنا عن طريقه. ركب محمود ركب دراجته النارية وغادر. لم يكن محمود الأسود كوبانياً ولم أعرف من أين هو. لكن كنت أعلم أنه كان صهر حجي علي أوسي و يسكن معهم في كوباني. كان يعمل كمراسل لحزب العمال الكردستاني ويقيم عند حجي علي أوسي في كوباني ولم أعلم من أصوله شيئاً. لأن شقيقي عبدي أكد عليَّ أن أمور الحزب يجب أن تسير بسرية تامة. أخبرنا محمود الأسود بموضوع اللقاء بأوجلان وتهديده لعبدي نعسان ومن معه. ثم أكمل بكري قائلاً: محمود الأسود نعت أوجلان بالخيانة والغدر. وقال: بعد خلاف بين عبدي وأوجلان، انقطع العلاقة بيننا، وابتعدنا بعضنا عن بعض وبعدها جائتنا تهديدات بأنهم سوف ينتقمون من شقيقي عبدي الذي نعت أوجلان بالخيانة، فكان رد فعلهم أن ينتقموا منه بعد كل الخدمات التي قدمناها له ولرفاقه وحزبه.
سرد بكري وقائع اغتيال أخيه عبدي قائلاً: "كان متكئاً على طاولته في الصيدلية وكان متزوجاً جديداً، وأنا كنت ذاهباً لجلب بعض الأغراض وهم كانوا يراقبونه، ثم أطلقوا ثلاث طلقات على صدره وأردوه قتيلاً. وعندما عدت رأيت الناس متجمهرين أمام صيدليته، وهم يرددون قائلين إن الصيدلاني عبدي قد قُتل. لم يكن لديه أعداء وكان يخدم الناس ويساعد الفقراء. دامن مدة الحِداد في كوباني ثلاثة أيام. حزن عليه الناس كثيراً . ومن جهة الحكومة فقد جاء شرطي واحد للتحقيق في الموضوع و سجل القضية ضد شخص أزعر من المدينة بتهمة الثأر، لكننا كنا نعلم من قلته ومن كان مستفيداً من قتله. وقد تلقى التهديدات عدة مرات من المخابرات و الأجهزة الأمنية السورية. ولم يكن لعبدي أعداء غيرهم.
أردف بكري قائلاً: في 1985.5.11 استشهد أخي عبدي نعسان. عرفنا مَن قتله. كان أحد زعران الشوارع، ولم يكن جديراً بأن نسميه عدواً أو قاتلاً لعبدي. لكننا عرفنا لماذا استشهد عبدي ومَن قتله. كان عبدي يؤكد عليَّ ألا آخذ مبلغ قيمة الادوية من الفقراء. وظلّ بلقى من الأجهزة الأمنية السورية كثيراً من المضايقات. وبعد استشهاد أخي مكثت في منزلي مدة 5 سنوات ولم أرغب في لقاء الناس والعمل. وفي عام 1990 تركت كوباني واستقررت في قامشلو وبعد سنة من إقامتي في منزل بالأجرة اشتريت قطعة أرض وبنيت منزلاً، ثم لجأت إلى إقليم كوردستان، وحَدَثَ ما حَدَث.



