د.يارون فريدمان: الأحداث الدامية في سوريا تنعش آمال الأكراد بدولة مستقلة

د.يارون فريدمان: الأحداث الدامية في سوريا تنعش آمال الأكراد بدولة مستقلة

Rojava News: مرّت أربع سنوات دامية على سوريا. كل سنة كانت أسوأ وأفظع من سابقتها ـ الاحتجاج المدني ("الربيع العربي") في عام 2011 التي قُمعت بوحشية فتحولت الى نضال عسكري مسلّح، وفيما بعد انقسم المتمردون الى معسكرات وبدأوا القتال أحدهم بالآخر. في السنة الثانية للأزمة سيطرت التنظيمات الإسلامية تقريبا على كافة مناطق سيطرة المتمردين ولم يعد "الجيش السوري الحر" يعمل كجسم موّحد. اليوم معظم مناطق المعارضة تقع تحت سيادة "الدولة الإسلامية" في الشرق و"جبهة النصرة" في الغرب. هنا وهناك، على الحدود مع تركيا في الشمال وقرب هضبة الجولان في الجنوب وفي بعض الحلبات في سوريا، تبقت بواقي "الجيش السوري الحر".

كان يفترض أن يجعل الجيش العلماني تحت قيادة ضباط انشقوا عن الجيش السوري وعملوا بتنسيق مع ممثلي المعارضة في أنقرة، من سوريا مكانا أفضل – دولة علمانية مدنية، برئاسة سلطة تمثل بشكل عادل كافة أجزاء المجتمع. لا شك أن الثورة في سوريا تدحرجت ككرة ثلج وتحولت الى أزمة لا يرغب بها أي طرف، من نضال شعبي الى نضال مسلح، من احتجاج شبابي علماني الى احتجاج إسلامي سُنّي متدين، من حرب أهلية الى "فتنة" – كفاح سُنّي شيعي.

 

الأكراد – حكم ذاتي بفضل عدم الاستقرار

اليوم البديل لنظام بشار الأسد القمعي أسوأ بكثير – سلطة مجانين يشوّهون الإسلام ويرتكبون جرائم بحق المجتمع السوري ومجازر. النتيجة المؤسفة جدا هي أنه في الـ 20% من المناطق في غرب سوريا التي لا تزال تحت سيطرة الأسد يعيش حاليا نحو 70% من السكان.

عدد القتلى حتى الآن يقدر بنحو 210 آلاف، نحو 3,7 مليون لاجئ هربوا من سوريا من بين نحو 18 مليون سوري.

الأكراد، الذين يبلغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، يعيشون في أربع دول هي (تركيا، إيران، سوريا والعراق)، الأمر الذي صعّب دوما حظوظهم في إنشاء دولة مستقلة. وبالرغم من ذلك، سقوط نظام صدام حسين في العراق قبل نحو عقد وزعزعة نظام الأسد في الوقت الراهن منحهم فرصة تاريخية لإقامة حكم ذاتي في شمال العراق وسوريا. هذه العملية تهدد تركيا وإيران، التي فيها أكراد معنيون بالحصول على استقلال وحكم ذاتي داخل أراضي الدولة. ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" هدد الأكراد بالفعل، ولكنه منحهم أيضا فرصة جديدة. للأكراد سيطرة على النفط، ولكن لا منفذ لهم على البحر، الأمر الذي يُجبرهم على أخذ مصالح تركيا بالحسبان. دخول الأكراد للبرلمان كنتيجة من الانتخابات الأخيرة في تركيا قد يساهم في تحسين وضع الأكراد بالدول المجاورة.

الحكومة العراقية تعارض طبعا صفقات النفط بين الأكراد وتركيا بحجة أن النفط ليس ملكا للأكراد، ولكن دون نجاح يذكر. طالما أدار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان علاقات حسنة مع الأكراد وتوقفت موجة التفجيرات من حزب العمال الكردستاني. ولكن يشتبه كثيرا أن إردوغان يساعد داعش لأجل إضعاف الأكراد. هذا الادعاء يرتكز بالأساس على الاتهام بأن متطوّعي التنظيم عبروا الحدود الى "الدولة الإسلامية" عبر تركيا، وأن هذه الدولة تشتري النفط رخيصا من التنظيم الإرهابي.

ظهور داعش هدد وجود الأكراد ولكنه وحّدهم وقوّاهم. في ظل الفظائع التي ارتكبها ناشطو داعش، تجنّد الكثير من الشباب الأكراد، رجالا ونساءً، للمليشيات المسلحة وساعد التهديد بتقريب القيادات المتنازعة حتى السنة الماضية، امتنعت الولايات المتحدة وأوروبا عن تسليح الأكراد في العراق بسبب معارضة حكومة العراق لذلك. ولكن خسائر وهزائم الجيش العراقي، من سقوط الموصل بأيدي داعش وحتى استحواذ التنظيم على أسلحة أمريكية، أقنعت الغرب بأنه يجب توفير السلاح مباشرة للأكراد.

 

الجيش المنتصر

ان تهديد الوجود الكردي في سوريا، بالأخص في منطقة كوباني وموجة اللاجئين الأكراد الذين هربوا الى تركيا، أقنع حكومة تركيا بأن تسمح لـ"البيشمركة"، الجيش الكردي في العراق، بنقل قواته عبر أراضيها لأجل مساعدة أشقاءهم في سوريا. "البيشمركة" المزوّد بأسلحة حديثة من أوروبا، مدرب ويحظى بدعم استخباراتي من الولايات المتحدة يشكل جزءا من التحالف الأمريكي ضد داعش. وضمن هذا الإطار يحظى الجيش الكردي بدعم جوي من طائرات التحالف الغربي – العربي في حربه ضد داعش.

وعلى عكس الهزائم المذلة للجيشين العراقي والسوري، أثبتت البيشمركة (بالكردية تعني الذين يواجهون الموت) في العام المنصرم أنه الجيش الوحيد القادر على الانتصار في الحروب ضد داعش. في ساحة القتال أظهر الأكراد كل ما هو مطلوب لأجل تحقيق النصر (والذي تفتقده اليوم الجيوش العربية) – التضامن والوفاء، الانضباط العسكري، الجرأة والشجاعة، الإصرار والإخلاص للهدف. ذبح الأكراد والايزيديين في سنجار، الإعدامات التي تقشعر لها الأبدان لمعارضي داعش، زادت من إصرار وعزيمة الأكراد على القتال لأجل حياتهم واستقلالهم مستقبلا.

في العام المنصرم أحكم الأكراد سيطرتهم على مدينة كركوك الغنية بالنفط، وواصلوا التقدم شمالا الى مناطق تحت سيطرة داعش في ولاية نينوى. في سوريا نجح الأكراد باستعادة كوباني بعد قتال متواصل.

 

تطوّرات دراماتيكية

في الشهر الأخير طرأت نقطة تحوّل مهمة في قتال الأكراد ضد "الدولة الإسلامية" في سوريا. فقد سيطروا على مدينة تل الأبيض من ايدي داعش، وانضم اليهم مقاتلون من "الجيش الحر". احتلال هذه المنطقة يشكل منعطفا هاما في القتال ضد داعش. تل الأبيض تربط بين إقليمين كرديين ومن جهة أخرى يحجب طريق التنظيم عن الحدود التركية. هذا التغيير شكل شريان العبور الأساسي لمتطوّعي التنظيم من العالم أجمع.

في الأيام الاخيرة توجّه المقاتلون الكرد بدعم مقاتلي المعارضة العرب المعتدلين واحتلوا بلدة عين عيسى وهم قريبون نحو 56 كيلومترا من مدينة الرقة، عاصمة داعش في سوريا. وقد تمت هذه العملية بتنسيق كامل مع التحالف الأمريكي الذي ألقى القنابل على داعش من الجو. تظهر علامات الأزمة والاحتضار على داعش في إقليم الرقة، وقد باشر بتنفيذ اعتقالات واسعة ضد كل من يشتبه بالانتماء لـ"الجيش السوري الحر".

المعركة القادمة – الحرب على الرقة – ستؤثر دون شك على سوريا أجمع. إذا فقدت "الدولة الإسلامية" عاصمتها في سوريا سيضر هذا الأمر بقدرة وحماسة التنظيم ويمنح جرعة حماس وقوة متجددة لكل مناهضيه في كل أنحاء الدولة.

الأكراد هم مسلمون سنّيون يمثلون الإسلام المعتدل المتواجد بعلاقات طيبة مع الغرب. الحزب الأكبر في العراق هو الحزب الديمقراطي الكوردستاني. تعاون الأكراد في السابق مع قوات شتى في الحرب على الإرهاب. في الماضي نظمت القيادة الكردية علاقات جيدة مع إسرائيل.

حتى أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود برزاني صرّح عام 2006 أنه لا يرى أية مشكلة في وجود علاقات مع إسرائيل. في صور المقاتلين تظهر النساء الكرديات الشابات اللواتي يثرن الإعجاب والإلام ويمثلن الأمل لمستقبل أفضل، لعدل ومساواة في المناطق التي سيحتلونها مستقبلا. كلما تعاظمت قوتهم، ستنضم إليهم قوات معتدلة من المعارضة، بقايا "الجيش السوري الحر". يشكل الأكراد اليوم الأمل الأخير بأن من دمار سوريا ستولد دولة متزنة، وليست مقاطعة شيعية لإيران وحزب الله ولا دولة إرهاب سنية برعاية القاعدة.

 

د. يارون فريدمان، محلل موقع "واينت" الإسرائيلي لشؤون العالم العربي. إنه خريج من جامعة السوربون في باريس، ويدرّس اللغة العربية والإسلام في معهد العلوم التطبيقية – التخنيون، بيت الكرمة، وكلية الجليل الأكاديمية.

Rojava News 

Mobile  Application